السيد عبد الأعلى السبزواري
72
مواهب الرحمن في تفسير القرآن
ومادة ( ش ق ق ) تأتي بمعنى الثقب والخرم ، ويلزمهما الفصل والتجزئة . وهي تستعمل في القرآن كثيرا ، قال تعالى : ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا [ سورة عبس ، الآية : 26 ] ، وقال تعالى : وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ [ سورة الحج ، الآية : 35 ] ، وقال تعالى : بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ [ سورة ص ، الآية : 2 ] . وللشقاق مراتب كثيرة بالنسبة إلى الأصول والفروع والأخلاق ، والشقاق بالنسبة إلى اللّه ورسله بمعنى الكفر والضلالة ؛ فالكافر في شق والمؤمن في شق ، والمصلي في شق وتارك الصلاة في شق آخر ، والعادل في شق والفاسق في شق آخر وهكذا . فكل شيء وغيره يمكن أن يكونا من شقين ولو كانا من صنف واحد في الجملة . وفي أحاديث آخر الزمان : « لا بد من فتنة يسقط فيها الحاذق الذي يشق الشعرة شعرتين » . أي بحذاقته وفكره . قوله تعالى : فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ . كفى يأتي بمعنى سدّ الخلة وبلوغ المراد في الأمر ، قال تعالى : وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ [ سورة الأحزاب ، الآية : 25 ] ، وقال تعالى : إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ [ سورة الحجر ، الآية : 95 ] وغير ذلك من الاستعمالات القرآنية التي يأتي التعرض لها . فهو السميع لأقوالهم ، العليم بأعمالهم وما في ضمائرهم وما يقدّره على عباده وما ينفذه فيهم ، فهو الكافي من كل شيء ولا يكفي منه شيء . والآية الشريفة من البرهان العقلي الذي قرره القرآن الكريم ، بأن يقال : الإيمان بالأنبياء والرسل سبب للهداية فكل من كان على إيمانهم فهو مهتد ، فاليهود والنصارى إن كانوا على إيمانهم فهم مهتدون ، ثم نقول إنهم ليسوا على إيمان الأنبياء والرسل وكل من كان كذلك فهو في شقاق مع اللّه ورسله ، فاليهود والنصارى في شقاق مع اللّه ورسله وكذا كل من يكون مثلهما في المخالفة الاعتقادية أو العملية مع اللّه ورسله ، هذا بالنسبة إلى أصل ثبوت الموضوع . وأما الأثر المترتب عليه فهو أنّ اللّه تعالى يكفي أنبياءه ورسله والمؤمنين بهم من كيد أهل الشقاق ونفاقهم ، كما يقتضيه نظام التكوين والتشريع .